محمد بن جرير الطبري
286
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : وأمّا قوله : " بإذنه " ، فإنه يعني جل ثناؤه بعلمه بما هداهم له ، وقد بينا معنى " الإذن " إذْ كان بمعنى العلم في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته ههنا . ( 1 ) * * * وأما قوله : " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " ، فإنه يعني به : والله يسدّد من يشاء من خلقه ويُرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه ، كما هدى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه بغيًا بينهم ، فسددهم لإصابة الحق والصواب فيه . * * * قال أبو جعفر : وفي هذه الآية البيان الواضح على صحة ما قاله أهل الحقّ : من أن كل نعمة على العباد في دينهم آو دنياهم ، فمن الله جل وعز . * * * فإن قال لنا قائل : وما معنى قوله : " فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه " ؟ أهداهم للحق ، أم هداهم للاختلاف ؟ فإن كان هداهم للاختلاف فإنما أضلهم ! وإن كان هداهم للحق ، فيكف قيل ، " فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه " ؟ قيل : إن ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه ، وإنما معنى ذلك : فهدى الله الذين آمنوا للحقّ فيما اختلف فيه من كتاب الله الذين أوتوه ، فكفر بتبديله بعضُهم ، وثبت على الحق والصواب فيه بعضهم - وهم أهل التوراة الذين بدّلوها - فهدى الله مما للحقّ بدَّلوا وحرَّفوا ، الذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . * * * قال أبو جعفر : فإن أشكل ما قلنا على ذي غفلة ، فقال وكيف يجوز أن يكون ذلك كما قلت ، و " مِنْ " إنما هي في كتاب الله في " الحق " و " اللام " في قوله : " لما اختلفوا فيه " ، وأنت تحول " اللام " في " الحق " ، و " من " في " الاختلاف " ، في التأويل الذي تتأوله فتجعله مقلوبًا ؟
--> ( 1 ) انظر ما سلف 2 : 449 - 450 .